الشيخ عبد الغني النابلسي

153

كتاب الوجود

غيره ، حيث قال بعد ذلك : وحين أورد عليهم أن الوجود المطلق مفهوم كلى لا تحقق له في الخارج ، وله أفراد كثيرة لا تكاد تتناهى ، والواجب موجود واحد لا تكثر فيه ، وأراد بقوله هذا حمل كلامهم على أن مرادهم بالوجود المطلق أنه المفهوم الكلى ، وليس مرادهم ذلك ، وجعله إيرادا على قولهم ، وما هو واردا عليهم ، فإن كلامهم في الوجود المطلق الموجود في الخارج وكلامه هو في الوجود المطلق الكلى العقلي الذي هو غير موجود في الخارج . ثم قال : من طرقهم أجابوا به واحدا لا شخص موجود بوجوده هو نفسه ، وإنما الكثير في الموجودات بواسطة الإضافات لا بواسطة تكثر وجوداتها ، فإنه إذا نسب إلى الإنسان حصل موجود وإلى الفرس ، فموجود آخر وهكذا ، وعلى هذا فمعنى قولنا الواجب موجود إنه وجود ، ومعنى قولنا الإنسان أو الفرس أو غير ذلك موجود أنه ذو وجود ؛ بمعنى أن له نسبة إلى الواجب . ثم أنه أعقب ذلك بما فيه التبكيت عليهم ، فقال : « وهذا احتراز عن شناعة التصريح بأن الواجب ليس بموجود وإن كان وجود حتى وجود القاذورات مختلفين هو يعترف بوجود أحدهما فقط ، وهو الوجود المطلق الكلى العقلي ، وينكر الآخر الذي هو الوجود المطلق الموجود في الخارج ، وهم يعترفون بوجود الأمرين المختلفين معا ، وأن أحدهما ؛ وهو الوجود المطلق الكلى العقلي ، موجود في العقل لا في الخارج على طبق ما يقول هو فيه ، والآخر هو الوجود المطلق الموجود في الخارج الذي ينكره هو ، وهو الواجب سبحانه » . والظاهر من قوله : إن الوجود المطلق مفهوم كلى لا تحقق له في الخارج ، وله أفراد كثيرة لا تكاد تتناهى - أنه جنس لجميع الوجودات حتى لوجود الواجب ، وإنما ذلك بحسب الاعتبار العقلي وإن كان غير صحيح في نفس الأمر وغير مسلم بالاعتبار العقلي أيضا ، حتى نقل الشهرستاني في الملل والنحل من جملة مقالات الرئيس ابن سينا « 1 » رئيس العقلاء الإسلاميين ، قال : إن الوجود يشمل الكل شمولا

--> ( 1 ) حين يبحث ابن سينا في العلة الفعلية يتطرق إلى البحث في ممكن الوجود وواجب الوجود ، وحين يبحث في علل الموجودات منظورا إليها من جهة الحركة والسكون فإنه يبحث في العلة -